المعلم
: الاستاذ الدكتور مستعين شافعي الحج
[تفسير سورة
آل عمران (3) : الآيات 26 الى 27]
قُلِ
اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ
مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27)
(قُلِ اللَّهُمَّ
مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ
تَشاءُ)
أي أنت ربنا سبحانك لك السلطان الأعلى والتصرف
التام في تدبير الأمور وإقامة ميزان النظام العام فى الكائنات ، فأنت تؤتي الملك
من تشاء من عبادك ، إما تبعا للنبوة كما وقع لآل إبراهيم وإما بالاستقلال بحسب
السنن الحكيمة الموصلة إلى ذلك واتباع الأسباب الاجتماعية بتكوين القبائل والشعوب
، وتنزع الملك ممن تشاء بانحراف الناس عن الطريق السوىّ الحافظ للملك من العدل
وحسن السياسة وإعداد القوة بقدر المستطاع ، كما نزعه من بنى إسرائيل وغيرهم بظلمهم
وفسادهم.
(وَ تُعِزُّ مَنْ
تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ)
للعزة آثار وللذل مثلها ، فالعزيز يكون نافذ
الكلمة كثير الأعوان مالكا للقلوب بجاهه أو علمه النافع للناس ، مع بسطة في الرزق
وإحسان إلى الخلق.
والذليل يرضى بالضيم
والمهانة ، ويضعف عن حماية الحريم ، ومقاومة العدو المهاجم ، ولا عز أعظم من عز
الاجتماع والتعاون على نشر دعوة الحق ومقاومة الباطل إذا سار المجتمعون على السنن
التي سنها اللّه لعباده ، فأعدّوا لكل أمر عدته ، ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلته
في تكوين العزة واجتماع القوة ، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقوا العرب
في المدينة يغترون بكثرتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين.
(بِيَدِكَ
الْخَيْرُ) أي بقدرتك الخير كله تتصرف فيه أنت وحدك بحسب مشيئتك ، ولا يملكه
أحد سواك ، وخص الخير بالذكر مع أن كلا من الخير والشر بيده وقدرته كما يدل على
ذلك قوله:
(إِنَّكَ عَلى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأن المناسب للمقام ذكر
الخير فقط ، فإنه ما أغرى أولئك الجاحدين وجعلهم يستهينون بالدعوة إلا فقر الداعي
وضعف أتباعه وقلة عددهم ، فأمره اللّه أن يلجأ إلى مالك الملك الذي بيده الإعزاز ،
وأن يذكّره بأن الخير كله بيده ، فلا يعجزه أن يعطى نبيه والمؤمنين من السيادة
وبسطة السلطان ما وعدهم ، وأن يؤتيهم من الخير.
(تُولِجُ اللَّيْلَ
فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ)
أي إنك تدخل طائفة من الليل فى النهار فيقصر الليل من حيث يطول النهار ، وتدخل
طائفة من النهار في الليل فيطول هذا من حيث يقصر ذاك.
والخلاصة - إنك بحكمتك في
خلق الأرض مكورة ، وجعل الشمس بنظام خاص تزيد في أحد الموين (الليل والنهار) ما
يكون سببا في نقص الآخر.
فليس بالمنكر بعد هذا أن
تؤتى النبوة والملك من تشاء كمحمد وأمته من العرب وتنزعهما ممن تشاء كبنى إسرائيل
، فما مثل تصرفك في شئون الناس إلا مثل تصرفك فى الليل والنهار.
(وَتُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) كالعالم من الجاهل
والمؤمن من الكافر (والحياة والموت معنويان) والنخلة من النواة والإنسان من النطفة
، والطائر من البيضة (والحياة والموت حسيان).
(وَتُخْرِجُ
الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) كالجاهل من العالم ،
والكافر من المؤمن ، والنواة من النخلة ، والبيضة من الطائر.
وقد أثبت علماء الطب أن في
النطفة والبيضة والنواة حياة ، ولكن هذه حياة اصطلاحية لأهل هذا الفن ، لا في
العرف العام الذي جاء به التنزيل.
والتفسير الحقيقي هو
(إخراج الحي من الميت) كما يحصل يوميا من أن الحي ينمو بأكل أشياء ميتة ، فالصغير
يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره ، والغذاء شىء ميت ، ولا شك في أن القدرة على
تحويل الشيء الميت الذي يأكله إلى عناصر ومواد من نوع جسمه بحيث ينمو جسمه ، هو
أهم علامة تفصل الجسم الحي من الجسم الميت ، وقد كتب علماء الحيوان فقالوا : إن
النعجة مثلا تتغذى بالنبات وتحوله إلى
لحمها ، وهذه أهم علامة
على أنها حية ، وكذا الطفل يتغدى باللبن الميت ويحوله إلى جسمه الحي.
وأما إخراج الميت من الحي
، فهو الإفرازات مثل اللبن (وإن شئت فلحوم الحيوانات أيضا والنبات) فإن اللبن سائل
ليس فيه شىء حي ، بخلاف النطفة فإن فيها حيوانات حية ، وهذه تخرج من الحيوان الحي
، وهكذا ينمو الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، واللّه أعلم بمراده ا ه.
وقد استعمل القرآن لفظ
الحياة فيما يقابل الموت ، سواء أ كانت الحياة حسية أم معنوية وسواء أ كان لفظ
الميت مما يعيش ويحيا مثله أم لا.
(وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) أي إن الأمر كله بيدك وليس أحد فوقك يحاسبك فأنت القادر على أن تنزع
الملك من العجم وتذلهم ، وتؤتيه العرب وتعزهم وذلك أهون شىء عليك.
وقد ورد لفظ الحساب في
القرآن على ثلاثة أوجه.
(1) بمعنى التعب كما في
هذه الآية.
(2) بمعنى العدد كما في
قوله « إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ » :
(3) بمعنى المطالبة كما في
قوله « فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ » .
والله اعلم بالصواب
الكاتب الفقير الى رب الجليل :
أحمد عبادالله ابن أحمد صالحين ابن شمس الدين



kaiwansi


0 komentar:
Posting Komentar